الكاتب سامي ميشيل قصه كاملة بعنوان مستشفى المنيا توثيق الكتروني من جريدة الوطن الكبير يجمعنا

معاكم دكتور "أحمد زكي"، اتخرجت من كلية الطب، "قسم التخدير والانعاش وعلاج الالم" جامعة القاهرة.. بمجرد ما طالب الطب مننا بيتخرج، في الأغلب بيروح يقضي سنة كاملة تكليف في الصعيد، أو الأرياف علشان هناك في أعدد كبيرة من الناس، وفي المقابل عدد محدود من الدكاترة، والمستشفيات والمراكز الصحية... القسم اللي اتخرجت منه، عدده محدود في مصر، ومطلوب، وليه أهمية، محدش ينفع يدخل عملية، مهما كانت صغيرة بدون تخدير بالبنج... علشان كده لما أتخرجت وعرفت إن هروح اشتغل سنة التكليف بتاعتي في محافظة "المنيا"، وبالمناسبة في هناك 3 مستشفيات حكومي كبار، أنا حفاظًا على سرية البيانات مش هقول روحت أنهي واحدة فيهم... المهم وقولت أهي سنة هتعدي، وبعدها هتخرج، وأقدر أشتغل وأخد مرتب كويس..

بعد ما استلمت جواب التكليف بتاعي، روحت شقتي في منطقة المرج، سلمت على أمي، وأبويا، وودعت أختي الصغيرة "سلمى" اللي في تانيه ثانوي، ووعدتهم بأني هجيلهم في الإجازات ومش هغيب عنهم، طبعًا أمي أكتر حد كان متأثر بأن هسافر، فضلت تدعيلي كتير، وتطلب من ربنا ينجيني من المصايب، أو أي مشاكل، عيطت شوية، فبوست راسها، وقولتلها:

-متقلقيش، سنة هتعدي بالطول والعرض، وبعدين الموبايلات مخليتش حاجة يعني، هنطمن كل يوم على بعض.
باست راسي، وقالتلي:
-تروح وتيجي بالسلامة، ربنا ينجيك من فخ الصياد، ويحميك من كل مكروه...بوست إيدها، وسلمت عليهم، بعدها أخدت شنطتي، وسافرت بالقطر...

*******
 وصلت المنيا تقريبًا بعد حوالي 6 ساعات، جسمي كان متكسر ميت حتة من القطر، لما خرجت من المحطة، خدت تاكسي للمستشفى، وتقريبًا الساعة كانت 6 مساءً، نزلت من التاكسي، وبصيت على المستشفى من بره كانت لسه متجددة، ومدهونة باللون الأبيض، وكانت ضخمة، حواليها حوالي عشر مباني، كل مبنى منهم ليهم تخصص معين، يعني المبنى الإداري، ومبنى عمليات خاصة للمقتدر، وعمليات نفقة الدولة، والعيادات الخارجية، وأوض المرضى، وغيرهم.... وكان في سور ضخم بيحاوطها من بره، ليه أربع بوابات صغيرة، وبوابة رئيسية كبيرة، وجراج تحت المبنى الإداري.
لما وصلت هناك قابلت بتاع الأمن، كان رفيع وطويل، ولابس تقيل علشان الشتاء هنا أصعب من القاهرة بليل، سلمت عليه، وسألته:
-يا بابا أنا عايز دكتورة "سعاد البغدادي" مديرة المستشفى، أنا دكتور جديد، وعندي تكليف هنا إن شاء الله.
الراجل رما السيجارة اللي كانت في إيده، وابتسم، وبانت سنانه الباهتة، وقالي:

-معاك عم "حنا" بتاع الأمن يا دكتور ....
-دكتور "أحمد زكي"
بتاع الأمن ضحك وقالي:
-اسمك على اسم الراحل العظيم، يا بختك ياعم.
ضحكت وحاولت أهدي نفسي بعد قلقي من شكل المستشفى:
-أه أبويا بيحبه فسماني أحمد، كان فنان عظيم، رحمة الله عليه.
-الله يرحمه، بص يا دكتور أنت هتمشي هناك في الممر الضلمة ده علشان الكهرباء بتاعته بتتصلح معلش، وهتلاقي في أخره مكتب دكتورة "سعاد".
-تسلملي يا عم "حنا".

سيبته ومشيت، لما وصلت للممر مكنش فيه شبابيك، وواسع وطويل، وكله مكاتب على الناحيتين، طلعت فوني نورت بيه، وفضلت ماشي بدور على مكتب دكتور "سعاد"، لحد ما لاقيته في الأخر، خبطت، ودخلت، لاقيت الدكتورة قاعدة على كرسي، لابسة هدوم مفتوحة، وغير مناسبة للمكان، هدوم تليق بكباريه أحسن، وشعرها مدهون أصفر، وباين إنها في أواخر الخمسينات من عمرها، ووشها كله مكياج، أنا مش ضد البهرجة، كل واحد حر، بس في المكان المناسب..... لما شافتني ضحكت، وأنا غصب عني من شكلها، مقدرتش أضحك، فقالتلي:

-اتفضل، أقدر أساعدك إزاي ؟
اديتها جواب التكليف، وقولتلها:
-أنا عندي تكليف هنا في المستشفى يا دكتور.
فتحت الجواب، بصيت فيه بسرعة، وقالتلي:
-أنت هتكون مكان دكتور "محمود" الله يرحمه، كان ماسك هنا التخدير، وكان من أشطر الناس اللي ليها مستقبل باهر، بس يلا مافيش حاجة بتدوم.
كلامها قلقني، فسألتها:
-هو راح فين ؟
غيرت ملامحها لقسوة فجأة، وقالتلي:
-مش وقته يا دكتور...
بصت في الجواب تاني، وقالتلي:
-يا دكتور أحمد زكي...
بعدها طلعت ختم المستشفى، وعملته على الجواب، ووقعت عليه، وقالتلي:
-الجواب ده هبعته لمندوب وزارة الصحة اللي هنا في المحافظة، وبكده أنت استلمت الشغل، تقدر تيجي من بكره، مواعيدك هتكون متغيرة، ممكن أسبوع الصبح، الضهر، بليل، على حسب الضغط على المستشفى، ومؤقتًا، هتنزل بليل... وخلي بالك احتمال لو في نقص في دكاترة التشريح، هتنزل تساعد معاهم في المشرحة.
استغربت من اللي قالته، فسألتها:
-بس أنا دكتور تخدير.

قالتلي بعصبية:
-والله مسألتكش، ماهو واضح من ورقك قدامي، بس أنت درست علم التشريح وأنت في الجامعة، ونزلت شرحت في المشرحة، وخدت خبرة، هنا عندنا نقص في الدكاترة، ولازم نسده بأي شكل.

سكتت، وطلعتلي مفتاح من درج المكتب، وقالتلي:
-ده مفتاح أوضتك، مبنى الدكاترة هتلاقيه شمال أو ما تخرج من المبنى هنا... حابة بس أنبهك لحاجة خطيرة يا دكتور أحمد.
-إيه هي يا دكتور ؟
وقفت وقربت من وشي، ومناخيري وجعتني من كتر البيرفيم اللي حطاها، وقالتلي بصوت منخفض:
-أي حاجة تشوفها، أو تسمعها هنا، هي سر.. ماشي ؟، متسألش كتير... خلي كل حاجة مش مفهومة تفضل جواك، خلص التكليف بتاعك على خير، مش عايزه مشاكل.

هزيت راسي، وسكت، فشاورتلي علشان أخرج من مكتبها، وحقيقي كنت مستغرب، هي إزاي منفصمة كده، شوية تضحك، وشوية تتعصب.... مشيت شمال وروحت لمبنى الدكاترة، وهناك لاقيت عم "حنا" بتاع الأمن واقف قدام بوابة المبنى، اللي كان مكون من خمس أدوار، وبيعمل شاي، سألته:
-عم حنا، عايز أعرف أوضتي أنهي واحدة ؟
ضحك وقالي:
-بس كده عينيا، تعالى معايا يا دكتور أحمد.

شدني من إيدي، طلعنا على السلالم لأن الأسانسير كان متعطل، لحد الدور الرابع، واللي كان واسع ومليان أوض، وفيه كذا حمام مشترك، وعم "حنا" وقف قدام أوضة من الأوض، وقالي:
-هنا أوضتك.

حطيت المفتاح في الباب ودخلت، وطلعت من جيبي عشرين جنيه، وكرمشتها في إيد عم "حنا"، بصلي بغضب، وقالي:
-لو عملت الحركة دي تاني يا دكتور أحمد، راسك هتفارق جسمك.
كلامه قلقني، اتلغبطت في كلامي، واعتذرلته، فضحك وقالي:
-اعتذارك مقبول، أنا بهزر معاك، بس بلاش تعمل حركة الفلوس دي، يلا بعد إذنك.
-ألا صحيح يا عم "حنا" هو دكتور "محمود" اللي كان مكاني ده راح فين ؟
-شنق نفسه في الأوضة دي.
شاورلي على الأوضة اللي كانت جنبي مباشرة، وعليها رقم 40، قلبي ضرباته زادت، وسألته وصوتي مكنش طالع:
-ليه ؟
-هههههههه أنت خوفت ليه ؟، هتعرف كل حاجة مع الوقت، بس خلي بالك، بلاش تسأل كتير علشان دكتورة "سعاد" بتضايق أوي، ممكن تعملك مشكلة.
مسكته من إيدي قبل ما يمشي، وكررت سؤالي:
-ليه ؟

عم "حنا" ولع سيجارة وقالي:
-والله يا دكتور محدش فاهم التفاصيل أوي، هو كان دكتور شاطر ومحبوب، من سكان المحافظة، مكنش بيبطل هزار وضحك، حتى مستواه المادي كان مرتفع، يعني أصلاً لو قعد في بيته مكنش فارقله الشغل... بعد كام شهر فتح عيادة خارجية ليه، والكل كان شايف إن مستقبله كويس، واحتمال يسافر بره مصر كمان... فجأة بدأ يشوف كوابيس وهو نايم، ويقوم يخنق في الدكاترة صحابه بليل.. لدرجة إنه عض ودن دكتور كان معانا هنا، اسمه "رفعت"، الدكتورة "سعاد" حاولت تداري عليه، علشان ميترفدش، ووديته يتعالج في مصحة نفسية، والكل كان بيسأل هو ليه حاله اتقلب بالشكل المخيف ده ؟... بعد حوالي شهرين، دكتور "محمود" رجع تاني، وكان سليم، وبقى يأدي شغله بأفضل شكل، بس كان صامت، مبيتكلمش مع حد خالص، وحتى عيادته قفلها، وخطيبته اللي كان هيتجوزها سابها... وحقيقي أنا كنت بحبه أوي، وبعامله زي ابني الكبير اللي مات من سنتين.
-الله يرحمه يا عم "حنا"

-تسلملي يا حبيبي... وجيت في يوم وقفت دكتور "محمود"، وسألته "أنت ليه مبتتكلمش معانا" ؟ ساعتها وقف وبصلي، وفتح بؤه، لاقيت ربع لسانه مقطوع، وكام سِنه من سنانه واقعة، ويومها سابني ومشي.... بعد كده الأمور رجعت تسوء تاني، كل يوم بليل، كنا بنسمعه بيصرخ في أوضته، وبيقول إنه شايف ناس حواليه مش موجودة، وبيسمع صوت خبط قوي بيجي من باب الحمام... وبيشوف دايمًا أجسام لونها أبيض بتيجي وتلف حواليه في الأوضة وهو نايم على السرير... الكلام اللي قاله ده، عمل مشاكل مع الدكاترة اللي حواليه، وسمعة المستشفى بدأت تسوء.

بلعت ريقي بصعوبة من كلام عم "حنا"، وسألته:
-إيه الحاجات الي كان بيشوفها دي ؟
-حاجات تشيب شعر الراس يابني... أو يا دكتور سامحني... المهم إن الوضع فضل كده، لحد ما في يوم جيت أصحي دكتور "محمود" علشان اتأخر على الشيفت بتاعه، خبطت عليه باب الأوضة، الباب مفتحش، وبعد خبط طويل اضطرينا نكسر الباب، أنا وأتنين من عمال الأمن، وهنا كانت الصدمة، ملقناش حد في الأوضة، وهدومه، وفلوسه، واللاب بتاعه اللي عليه علامة التفاحة ده، وموبايله، كله كان موجود.... فضلنا ندور عليه، سألنا عليه في بيت أهله... في بيت خطيبته... عند قرايبه، اختفى من البلد كلها.. ودكتورة "سعاد" بلغت البوليس، بدوره دور وحقق، راجع كاميرات المستشفى، وأخر كاميرا كانت مسجلاله وهو خارج من المستشفى، وركب عجلة كانت على البوابة الرئيسية، بعدها اختفى عن الرؤية.
-وبعدين ؟

-ولا قابلين، لحد النهاردة منعرفش عنه حاجة.
سكت شوية، بعدها قولتله:
-مش أنت يا عم "حنا" قولتلي إنه شنق نفسه في الأوضة دي ؟

ضحك بصوت عالي، وقالي:
-لا سامحني، أنا اتلغبطت، اللي شنق نفسه في الأوضة دي هو دكتور "عمرو"، مش "محمود"، ما أصلي المستشفى هنا تقريبًا، لما الدكاترة بتيجي مبتستحملش ضغط الشغل، وبيموتوا نفسهم.. وهو شنق نفسه بعد ما دكتور "محمود" اختفى بكام يوم.

يا نهار مطين، واحد اتجنن واختفى، والتاني شنق نفسه، ده باينه تكليف زي الفل والله... الشغف من الكلام مع عم "حنا" زاد، فسألته:
-طيب ولحد ....
ساعتها قطع كلامي، واتعصب، وقالي:
-ما كفاية أسئلة ورانا أكل عيش بقى، يلا سلام.

سابني ومشي، وبعدين بقى في الناس المجانين اللي هنا دي ؟، كلهم بينفصموا فجأة، ويتعصبوا ويضحكوا، يلا أهي سنة هتخلص بالطول والعرض، يارب نخلص.... قفلت باب أوضتي، كان فيها سرير صغير، ودولاب جوه الحيطة زي بتاع شقق راس البر وإسكندرية، وكومودينو جنب السرير، وحمام صغير جواه حوض ربعه مكسور، وحمام بلدي، وخرطوم بيستخدموه للاستحمام... حطيت هدومي في الدولاب، لبست بيجامة، طلعت موبايلي كلمت أهلي طمنتهم عليا، حاولت أداري قلقي وخوفي من اللي سمعته، بس أمي حست، سألتني:

-أنت كويس ؟ صوتك فيه حاجة ؟
اتوترت، لأن مبعرفش أداري أوي، فقولتلها:
-متقلقيش يا حبيتبي، أنا بس تعبان من القطر، معلش هقفل دلوقتي علشان محتاجني في المستشفى يا ماما، هكلمك بعدين، سلام.
******
قفلت معاها، طلعت مجموعة كتب علمية مهمة في مجالي، وروايات لمؤلفين مصريين، واللاب توب بتاعي اللي عليه أفلام ومسلسلات ياما... وقررت إن كل يوم بعد ما أخلص شغلي، هقعد ألهي نفسي في الحاجات دي كلها.. هو ده الحل، مافيش غيره، هقفل كل الشبابيك اللي ممكن تدخلي مشاكل، زي ما بنقفل الشبابيك في الشتاء من الهواء الساقع... تقريبًا الشبابيك مهوية ولا إيه، ملحقتش أكمل تفكيري، سمعت صوت باب أوضتي بيخبط، اتفزعت ورجعت لورا، بعدها روحت فتحت، لكن ملقتش حد، بصيت شمال يمين، لقيت صوت الخبط على الباب ده جاي من الأوضة اللي اتشنق فيها الدكتور "عمرو"، وكان قاعد فيها الدكتور المختفي "محمود".
قولت أه هي بدأت من دلوقتي ؟، صوت الخبط زاد أوي، رعبي معاه زاد، لحد ما باب أوضة في أول الممر اللي فيه اتفتح، لاقيت دكتور شاب بيخرج منها، ومعاه نجار في الأربعينات من عمره، وجسمه رياضي، ولما شافني واقف مرعوب قالي:

-أسفين يا دكتور، الباب عندي بس كان فيه مشكلة، المفتاح اتكسر جوه الكالون، وجيبنا عم "سامح" النجار علشان نغيره.
ابتسمت غصب عني، وقولتله:
-ولا يهمك يا دكتور...
-دكتور وليد، وأنت ؟
-دكتور أحمد.

قرب مني وقالي:
-أهلاً بيك، خد رقم عم "سامح" علشان لو احتجته في حاجة.
-لا خليها بعدين.
-على راحتك.

استاذنت ومشيت، دخلت أوضتي، قفلت الباب بالمفتاح، قفلت الستاير، وولعت النور كله، بس وقتها، سمعت صوت رجلين بتجري عندي في الحمام، اتعصبت وقولت بصوت عالي:
-وبعدين بقى إحنا مش هنخلص ولا إيه ؟ عايزين نشوف أكل عيشنا.

وكأني قولت تعويذة سحرية، الصوت اختفى، بس باب الحمام القديم اتفتح، لاقيت رجلين بتخرج من الحمام، وثابتة على عقب الباب... كانت رجلين سودة، قربت منها بهدوء، بصيت جوه الحمام، شوفت قدامي شاب حالق شعره ودقنه، ولابس بالطو الدكاترة الأبيض، بس كان كله دم، وفي ثواني الشاب ده اختفى، وشوفت المكان بيتغير من حواليا، لاقيت نفسي جوه أوضة فيها 2 سرير كبير، دولاب ضخم، والرؤية باهتة شوية، وشوفت 2 دكاترة كل واحد فيهم قاعد على سرير، وفي حوار مهم قائم بينهم، ولاقيت الدكتور اللي حالق شعره ودقنه ده، بيقول للدكتور الشاب اللي كانت ملامحه جميلة، وهادئة:
-هي السبب، لازم كله يعرف اللي حصل، وهي وصلتنا لفين يا دكتور "محمود".

رد عليه:
-كلامك يا دكتور "عمرو" خطير، بس لازم نتصرف بكل حكمة، أنت متعرفش مين وراها ؟، أنت بتتكلم في مؤسسات علمية، وطبية بتحميها، والمؤسسات دي زي ما عندها علماء، عندهم عصابات ممكن تخلص علينا في ثواني.
دكتور "عمرو" وقف وقاله بكل عصبية:
-يعني إيه ؟ هنسيب الناس يضحك عليها ؟ طيب والغلابة ؟، دي مصيبة يا دكتور "محمود".
دكتور "محمود" مسكه، وهداه:
-اتقل عليا، أنا عندي حل نعمله، يخلصنا من القصة دي، ويرجع للناس حقها.
-إيه هو ؟

ساعتها الأتنين قطعوا كلامهم، وشوفتهم بيبصوا ناحيتي، وقتها حسيت بكهرباء قوية بتضربني في جسمي، وقعت على الأرض، فقدت الرؤية، سمعت في ودني أصوات صراخ كتيره، وشجار عنيف بيحصل بين مجموعة من الرجالة، بعدها فتحت عيني، لاقيت نفسي واقع بره قدام الحمام، والرجلين السوداء، بعدت عني، ودخلت للحمام، والباب اتقفل بسرعة، وكل شيء هدي من تاني.... قمت بصعوبة من الأرض، غسلت وشي في الحوض، لبست هدوم خروج بسرعة، فتحت باب الأوضة، نزلت من المبنى، جسمي كان عرقان، والجو متلج، وشكلي مخيف من الفزع، نزلت وقلبت الدنيا على عم "حنا" بس ملقتهوش، روحت عند البوابة، روحت لكل مكان، مكنش ليه أثر.

خدت بعضي، قولت هجيب رقمه، وأكلمه، علشان يشوفلي شقة قريبة من هنا، أنا مش هقعد في مبنى الدكاترة ده تاني، وبالمرة أعرف منه شوية تفاصيل تانيه... روحت لدكتور "وليد" اللي كان بيصلح باب أوضته من شوية، وسألته:
-بقولك يا دكتور لو سمحت، أنا محتاج منك رقم عم "حنا" بتاع الأمن ضروري.

دكتور "وليد" بصلي باستغرب، وفضل يضحك، وسألني:
-وأنت تعرفه منين بقى؟
-قابلته لما جيت النهاردة.
-أنت جامد جدًا يا دكتور، بس خلي بالك بلاش تشرب كحوليات في المستشفى.
اتعصبت من كلامه، وسألته:
-ليه بتقول كده ؟
شاور عليا وقالي:

-عينيك حمراء، كلامك خارج غير متناسق، جسمك بيعرق بجنون في التلج ده، وبتقول كلام عبيط.
مسكته من رقبته، اتعصبت عليه جامد، وقولتله:
-احترم نفسك، متتكلمش معايا بالأسلوب ده تاني.

هنا دكتورة "سعاد" المديرة كانت معدية في الدور، جريت علينا، زعقت، سيبته، وهي سألته:
-في إيه يا دكتور "وليد" ؟ بتتخانقوا ليه ؟
قالها:
-بيدور على عم "حنا" يا دكتورة، وشكله مش مظبوط.
بصلتي باستغرب، وقالتلي:
-أنت تعرفه منين ؟
قولتلها:
-قابلته النهاردة لما وصلت.
-أنت واعي يابني للي بتقوله ؟ ده مات من كام شهر.
-مات إزاي أمال أنا قابلت مين وقعد يتكلم معايا، ويحكيلي.
دكتور "سعاد" ظهر عليها الغضب وسألتني بخبث:
-حكالك إيه ؟
خوفت أحكيلها، فقولتلها:

-يعني فهمني طبيعة الشغل هنا، بس.
هزت راسها، وسحبت دكتور "وليد"، وقالتلي قبل ما تبعد عن الرؤية:
-نبهتك من الأسئلة، والمشاكل يا دكتور أحمد صح ؟ ماشي.

****** 
بعد المشكلة دي، دكتورة "سعاد" حولتني للتحقيق، وأجبرتني أعمل تحليل كحوليات، مخدرات، وكشفت على قوايا العقلية، وحرفيًا بهدلتني في اليومين دول، لحد ما روحتلها مكتبها، جيبتلها شوية ورد وشيكولاتة، واعتذرت عن اللي حصل، ووعدتها إن مش هسأل ولا حتى هتكلم في أي حاجة... واللي فرحها أوي إن عرفتها، إن أجرت شقة قريبة من المستشفى، ومش هبات هنا خالص.. وكأن المعلومة دي كانت سر طاقية الإخفاء، وبسببها قبلتني، وخرجتني من الحوارات بتاعتها.... عدت الأيام واستلمت شغلي، أسبوع اشتغل الصبح، الضهر، بليل، روتشين كما يجب أن يكون... كنت باخد إجازة يومين في الأسبوع، بسافر فيهم للقاهرة، بقضيهم مع عيلتي، وأرجع تاني. 

ولما مكنتش بقدر أسافر في الإجازات من ضغط الشغل، أمي وأبويا وأختي كانوا بيجولي الشقة ويبيتوا معايا، كنت بقضي معاهم أيام حلوة، بنسى بيها مشاكل شغلي، خاصة إن جالي فترة كنت بنزل في المشرحة، أساعد، واشتغل مع الدكاترة، وأهي أيام بتمشي. بس برغم ده، كانت جوايا أسئلة كتيره، عن الدكتور "عمرو، ومحمود"، وعم "حنا" اللي طلع ميت في حادثة عربية.. في خيط رفيع بيجمع الناس دي كلها ببعض، واحد انتحر، واحد اختفى، واحد مات في حادثة، إيه مش غريبة شوية ؟ ودكتورة "سعاد" دي وراها مصايب كتيره، أكاد أجزم إنها السبب في موت الناس دي. لا والأغرب بقى من ده كله، هي حالات الوفيات الزيادة اللي كانت بتحصل عندنا.
الطبيعي في المجال الطبي، إن في ناس بتموت، قضاء وقدر بتاع ربنا، وبيكون في نسبة آمنة لأي مؤسسة طبية في العالم، لا تتعدى نسبة 5% من اجمالي المرضى اللي بيجوا المستشفى سنويًا... لكن النسبة دي كانت عالية، بتوصل أوقات لأكتر من 11%، يعني واحد داخل يعمل عملية لوز، يموت... عملية في العين يموت... عملية في الكلى يموت... النسبة دي عالية، وصلنا ليها مرة واحدة بس وقت الكورونا، لما كانت مدمر ةكل حاجة.. لكن دلوقتي الدنيا هادية، والنسبة مرتفعة.

 من شدة اللي بيحصل، النيابة جت وحققت كذا مرة، وحولوا دكتورة "سعاد" للتحقيق، وكل الدكاترة اللي بيموت منهم حالات، وكانت دكتورة "سعاد" بتمشي الدكاترة لمستشفيات تانيه كعقاب ليهم، والدنيا بتهدى شوية، لكن الناس بره في المحافظة دي، بقوا قلقانين من المستشفى، نسبة زياراتهم لينا قلت، حتى في العيادات الخارجية. لما دققت في اللي بيحصل، لاقيت إن العامل المشترك في الوفيات، هما الشباب والأطفال اللي سنهم صغير، وصحتهم كويسة.

مستحيل تكون دي صدفة... علشان كده كنت بشتغل، ومن تحت لتحت، بتابع الأخبار، بحاول أربط الخيوط ببعضها، لحد ما حصلت الحاجة اللي مكنتش متوقعها..... كنت في أوضة العمليات، بخدر مريض، هيعمل عملية بتر لرجليه، بعد ما خلصت خرجت، قلعت هدومي، غسلت إيدي ووشي، بعدها لاقيت دكتور "وليد" جاي وباين عليه القلق، وقالي:
-دكتور أحمد.. الدكتورة سعاد عيزاك في مكتبها.
-خير في حاجة ؟
-معرفش، هي قالتلي إنها محتاجاك.
سيبته ومشيت، لاقيته مسكني من إيدي، وقالي:
-متضايقش من الموقوف اللي حصل بنا، بس أنا كان لازم أعمل كده علشان اتأكد من مصداقيتك معانا.
استغربت اللي قاله، وسألته:
-مصداقية إيه، ومعانا دي عايدة على مين ؟
بص حواليه، وابتسم، وقالي بصوت منخفض:
-عايدة على كل اللي رافضين الظلم اللي بيحصل، وعايزين يقفوا في وش دكتورة "سعادة" مديرة المستشفى، اللي متستحقش منصبها ده.

في ظل ما دكتور "وليد" كان بيتكلم، بدون ما ناخد بالنا، لاقينا ممرض اسمه "فتحي" بياخد ورق من دولاب ورانا، وتقريبًا سمع كل اللي قاله "وليد"، بعدها سابنا ومشي، والممرض ده رغاي، وعصفورة للي يدفع، فالتوتر بان أوي على "وليد" وقالي:
-هسيبك دلوقتي، هقابلك بعد ما تخلص شغل النهاردة، عند شقتك.
سالته:
-أنت عارف عنوانها منين ؟
-ملكش دعوة، وأي حاجة تطلبها منك دكتورة "سعاد" نفذها، سلام.
سابني ومشي، وأنا روحت لمكتب "سعاد" خبطت عليه ودخلت، طلبت مني اقفل الباب، فقفلته وقعدت قدامها على المكتب، لاقيتها قلعت الروب الطبي بتاعها، كانت لابسة ميني جيب قصيرة، وقميص صيفي، وقفلت باب مكتبها بالمفتاح، وقعدت جنبي، بمسافة قريبة أوي، وقالتلي:
-أنت بقالك تلات شهور معانا، فاضلك لسه 9 شهور وتخلص تكليفك، إيه رأيك لو رجعت للقاهرة تاني، وفي أقل من أسبوع، وتكمل تكليفك هناك؟
بعدت عنها شوية، وسألتها:

-إزاي ؟
ضحكت بصوت خليع، وقالتلي:
-خطأ طبي أثناء عملية، مع شكوى مني، وتوصية من حد مهم في وزارة الصحة، هترجع القاهرة تاني.
-مش فاهم قصد حضرتك.
قربت مني، وريحة البيرفم بتاعها كانت هادية المرة دي، ووشها كله مكياج، ورغم سنها ده، إلا إنها كانت جميلة، قالتلي:
-بكره أنت عندك عملية، لشاب صغير في السن، هيشيل حصاوي من الكلى... وأنت هتخدره، ودكتور "إيهاب" هيعمل الباقي.
-فهميني أكتر.
-هتدي للمريض جرعة طبيعية من المخدر ( vot X)، وسيب الباقي علينا.
وقفت من مكاني بعصبية، وقولتلها:

-بس المخدر ده مينفعش مع مرضى السكر، والمريض ده لما جالي ملفه، عرفت إن عنده السكر. المخدر هيدخله في غيبوبة، ممكن يموت، دي مسئولية.
-ما هو أنت هتبقى بره القصة دي، لأننا هنقول إننا عملنا فحوصات للمريض، ودكتور "مرعي" عمل الفحوصات غلط، ومكناش نعرف إن المريض عنده سكر، وبالتالي أنت بره القصة، و"مرعي" هياخدله سنة ولا حاجة، ويخرج يعيش بالفلوس اللي هياخدها ملك.
حسيت بالغضب من كلامها، فسألتها:
-فلوس إيه ؟
-أنت هتاخد في القصة دي 400 ألف جنيه يا دكتور، زائد إنك هترجع للقاهرة، قولت إيه ؟ مبلغ كويس تعمله شهادة في البنك، أهو يسندك، وأديك شايف فايدة الشهادات مولعة دلوقتي.

فكرت في كلامها، وفي كلام دكتور "وليد"، وقولتلها:
-أسف مش هقدر، بعد إذنك.

قمت وروحت للباب، فلاقيتها بتضحك بثقة وقالتلي:
-طيب براحتك، بس صحيح هي الست "وديعة" أمك، غيرت مكان سكنها في القاهرة، ولا لا ؟
الدم غلي في عروقي، جريت عليها، مسكتها من رقبتها، وقولتلها:
-لو لمستي حد منهم، أنا هقتلك.
زقت إيدي، وقالتلي بضحك:
-خلاص يبقى تعملي اللي عيزاه، وإلا مش هتشوف أمك، وأختك، وأبوك الغلبان تاني... هسيبك تفكر لحد بكره، قبل العملية الصبح، ولو مردتش، حضر نفسك لمصيرك أنت وعيلتك.

جسمي كان بيترعش، فضلت واقف لثواني، بعدها مشيت من المستشفى.
******** 
لما وصلت بيتي كنا بليل، ومع كأبة الليل، ضربني الخوف بأسهم نارية، لاقيت إن مينفعش أرفض طلب "سعاد"، دي ممكن تدمرني أنا وعيلتي بمكالمة زي ما عملت قبل كده مع غيري.. أنا هوافق وأكيد، أكيد ربنا هيسامحني، ما أصلي أنا مملكش غير الموافقة، وأهو أنا هكون مجرد طريق بس، والدكتور اللي بعدي هو اللي هيكمل... كل التفكير ده قولته جوايا، وأنا واقف قدام باب الشقة، لحد ما سمعت صوت جوه، حطيت المفتاح، دخلت، جيت أنور، الكهرباء كانت فاصلة خالص، وعلشان أشغلها لازم أدخل لحد المطبخ في الظلام المرعب ده... قفلت باب الشقة، نورت بكشاف صغير حاطة في المفاتيح، الدنيا كانت هادية، مافيش حاجة تعمل مشكلة.
خلصت الصالة، دخلت المطبخ، جواه لاقيت جسم بشري واقف جنب زرار الكهرباء الرئيسي، كان لابس هدوم عادية، مافيش أي حاجة مريبة فيه، مررت عليه الكشاف، وأنا عروقي اتحرقت من الخوف، لاقيته دكتور "وليد"، كان بيبصلي ومبرق، رجعت لورا، ووقعت على الأرض، كنت خايف، لحد ما هو شغل الكهرباء، والدنيا نورت، وقالي:
-وطي صوتك، متعملش أي دوشة يا دكتور أحمد.
قولتله:
-أنت إنسان صح ؟، يعني أنت مش جن.
مرر إيده على نفسه، وقالي:
-أيوه، أهدى بقى علشان نشوف حل ليك.

بعدها قومني، قعدنا على ترابيزة السفرة الصغيرة اللي في المطبخ، علشان هو كان مقلق يكون في حد بره باب الشقة بيسمعنا، وقالي:
-طبعًا دكتور "سعاد" طلبت منك تخدر مريض غلط، صح ؟
-أنت عرفت منين ؟
طلع سيجارة ولعها، وقالي:
-مش مهم عرفت منين.. أنت ناوي تعمل إيه ؟
-هددتني بأهلي، مكنش ينفع أرفض أي حاجة خالص.
وليد ابتسم وقالي:
-وهو ده اللي أنا عايزك تعمله يا أحمد يا زكي.
-إزاي يا دكتور ؟
قام وقف وقالي بصوت منخفض:
-أنا مش دكتور يا "أحمد"، بعدين هتعرف أنا مين، ركز معايا، "سعاد" محدش في المستشفى يقدر يقولها لا... ملعونة وعندها حوارات ياما... بس إحنا بنحضر إننا نفضحها، وبعدها نقبض عليها.
-حضرتك ظابط ؟
بان عليه الغضب وقالي:
-هتعرف بعدين... "سعاد" من أخطر الشخصيات اللي ممكن تتعامل معاها، عارف دكتور "محمود، وعمرو، وعم حنا" ماتوا ليه ؟
شربت مياه من التوتر، وسألته:
-ليه ؟
-علشان جمعوا بعضهم، وعملوا زي فريق خفي، كانوا بيجمعوا كل الأدلة اللي تخليهم يدينوا "سعاد" ويقعدوها باقي عمرها في السجن، وفي الليلة اللي كنت هقابلهم فيها علشان أخد الأدلة دي، "عم حنا" كان راجع بيته، خبطته عربية، وهرست جسمه كله... ودكتور "محمود" اختفى تمامًا.. واتبقى "عمرو" اللي فضل خايف مش عارف يتصرف إزاي، ولا عارف يهرب من المستشفى، لحد ما حبايب "سعاد" دخلوا عليه أوضته وشنقوه فيها، بعدها لبسوه إنها قضية انتحار عادية، مش جريمة قتل.
-للدرجة دي يا و"ليد" ؟ "سعاد" تقيلة كده ؟

"وليد" فتح تلاجتي، وشرب منها شوية مياه رغم الساقعة، وقالي:
-ياما عملت بلاوي... المهم أنت بكره هتعمل اللي اطلب منك، والباقي هتسيبه عليا.. متخافش محدش من أهلك هيحصله حاجة، أنا بعتلهم عربية ملاكي تحت البيت، فيها أفراد أمن مدربين على أعلى مستوى، محبتش أبعت عربية شرطة، علشان منلفتش النظر.
-طيب الخطة هتمشي إزاي ؟
"وليد" خرج من المطبخ، وقالي بصوت منخفض:
-متقلقش، كله هيعدي، بس خلي بالك، هنحتاج أقوالك كلها في النيابة بعد القبض عليها.... أنا همشي دلوقتي.
-بس أنا جوايا سؤال، هي "سعاد" ليه بتعمل كده مع المرضى ؟ بتستفيد إيه ؟ تجارة أعضاء يعني ؟ 
-حاجة أسوء من الأعضاء.

"وليد" فتح باب الشقة، بص حواليه بقلق، بعدها طلع على السلالم لفوق علشان يهرب من السطح... وأنا من الرعب، طلعت موبايلي، سلمت على بابا وماما، بعدها خليت أختي تقف في البلكونة وتبص، هل فعلاً في عربية تحت البيت ؟، أختي بصت، فعلاً ولاقت عربية عطلانة تحت البيت، وفي ناس بتصلحها، بس لفت نظرها إن أجسامهم جامدة، وشكلهم أقوياء، حسيت بالاطمئنان من اللي سمعته، وقفلت... فضلت صاحي لحد الصبح، واتصلت بدكتور "سعاد"، وبلغتها إن موافق على كل حاجة... فطرت، ولبست، نزلت روحت المستشفى... غيرت هدومي، ودخلت أوضة العمليات...
حضرت المخدر اللي هستخدمه مع المريض، وطول الوقت كنت عمال بدور على "وليد"، أو أي حد تبعه، مكنش ليه أي أثر... فضلت بحاول أأخر في الوقت، مش عارف أتصرف إزاي ؟، ودكتور "إيهاب" اللي تبع "سعاد" ومشترك في الجريمة دي، فضل يبصلي ويبرقلي، ويبعتلي تحذيرات بعينه، والممرضتين اللي معانا كان واضح منهم، إنهم تبع "سعاد"، عصابة كلها بتاكل من ورا بعضها... طيب وبعدين أعمل إيه ؟ طلعت المخدر اللي حضرته، مليت بيه الحقنة بالنسبة المحددة، بعدها قربت من دراع المريض اللي كان في العشرينات من عمره، وباين عليه إنه على أد حالة، وطيب، لاقيت "إيهاب" قام جابلي قطنة فيها كحول، ومررها على دراع المريض، وفضل يبرقلي.

قربت من دراعه، لسه هحط الحقنة، لاقيت باب العمليات بيتفتح، وخمسة لابسين ملكي، دخلوا، واحد منهم رجعني لورا، والباقي مسكوا "إيهاب"، والممرضتين، وخرجنا كلنا بره، ودخلوا 2 دكاترة، يعملوا للمريض العملية، وبعد دقيقتين لاقيتهم شادين دكتورة "سعاد" من إيديها، وملبسينها الكلابشات، كانت مضايقة جدًا، وبتبصلي بكل غضب، وقالتلي:
-مش هسيبك يا أحمد يا زكي، ياللي مطلعتش زكي، عيلتك تحت إيدي، ومتقلقش هخرج منها، وهرجعلك تاني علشان أسود عيشتك.

من التوتر، مقدرتش أرد عليها خالص، بعدها الرجالة اللي كانوا معانا خدونا، وركبوا "إيهاب" وكام ممرضة، و"سعاد"، والمدير المالي للمستشفى "خفاجة الضبع"، ومدير العيادات الخارجية، وكام مسئول تاني في المستشفى، واضح إن دول كلهم أفراد العصابة.... وأنا ركبوني بوكس تاني منفصل عنهم، ومشينا لحد القسم... هناك لما وصلنا، قولت في بالي أكيد كده خلاص مستقبلي انتهى، وحياتي، وكل شيء، وأسرتي كمان شكلها هتنتهي قريب، كنت هتجنن، وخايف أوي، طلبت من ربنا ينجيني من المصيبة دي.

فضلنا كلنا واقفين بره، وأنا دخلت لمكتب الظابط أول واحد، لما دخلت لاقيت جوه عم "سامح" النجار، اللي كان واقف مع دكتور "وليد"، وبيصلح الأبواب، كان قاعد على المكتب، ولابس لبس الشرطة، وعرفت إنه ظابط برتبة مقدم، أول لما شافني، قام وقف وسلم عليا، بعدها طلبلي عصير، وقالي:
-اتفضل أقعد.
قعدت، فقالي:
-باين على وشك القلق يا دكتور أحمد، بس متقلقش أنت بره القصة اللي حصلت دي.
سألته بحيرة:
-هو حضرتك تبع "وليد" الظابط ؟
فضل يضحك بصوت عالي، وقالي:
-هو أنت صدقت الاشتغالة بتاعت "وليد" الظابط ؟، "وليد"
 ده دكتور عادي عندكم في المستشفى، كان من أتباع "سعاد" وليلة لما جالك وحذرك من اللي حصل، كان بيشتغلك، علشان يخليك تنفذ طلب "سعاد" وأنت مغمض، ومتعملش أي حاجة، على آمل إنه هيلحقك، وينقذ المريض... وعلشان كمان متفكرش تبلغ الشرطة، ويعرف أفكارك لو كنت ناوي على حاجة... وبمجرد ما نزل من سطح بيتك قبضنا عليه.
سألته بصدمة:
-يعني مكنش ظابط ؟
-لا، والعربية اللي كانت تحت بيتكم بعد ما أنت قفلت مع أختك، قبضنا عليهم، وحطينا على البيت عربيتين شرطة لحماية عيلتك.
البوفيه جابلي عصير مانجة، فتحته، وشربت شوية، وسيادة النقيب كمل:
-أنت ساعدتنا كتير أوي يا دكتور أحمد.
-إزاي ؟
-لما أنت روحت المستشفى وشوفت اللي حصلك هناك، مقدرتش تستحمل، وفي رأي إن اللي شوفته من هلوسة، وناس كلمتك دي حاجة خطيرة، بس مفيدة، وبتحصل بسبب "سعاد" اللي كانت بتحطلك حبوب هلوسة في الأكل بتاعك، زي لما كانت بتحط لدكتور "محمود وعمرو" وخليتهم يتجننوا... فلما أنت سيبت سكن الأطباء، وقعدت في شقة إيجار، قدرنا نزرع في الشقة عندك أجهزة تسجيل دقيقة جدًا، وفي هدومك وجزمتك، وقدرنا نسجل كل اللي قالتلهولك "سعاد" وهي في مكتبها، واللي قالهولك "وليد" لما جالك الشقة، وبقى معانا دليل قوي نقدر ندين العصابة دي بيه، لأنهم غلبونا كتير، ومكنش ينفع نقبض على حد بدون دليل قوي.

خلصت العصير وسألته:
-حضراتكم حطيتوا الكلام ده امتى وإزاي ؟
-بص هو مش شغلك، بس إحنا فتحنا شقتك في غيابك بمفتاح بديل، وخلصنا كل حاجة.
الحقيقة حسيت بالفرحة من كلامه، وسألته بحماس:
-طيب ممكن سؤال أخير ؟
ضحك وقالي:
-أخر سؤال، اتفضل.
-هي "سعاد" كانت بتعمل إيه مع المرضى ؟ وليه بيموتوا ؟ وليه قتلت "محمود، وعمرو، وعم حنا" ؟
-دلوقتي في دول أوروبا، الناس هناك أغلبها عندهم السكر، خاصة السن الكبير، وهما بره بيحبوا الأكل والحياة زي عينيهم، مهما مرضوا ولا تعبوا، عندهم حب الحياة... فبقت بعض الدول قبل ما المريض يموت لو "البنكرياس" بتاعه سليم، بيبعه، ولما يموت ينتقل للشخص اللي محتاجه، بمبالغ مش كبيرة بنسبالهم، بس كبيرة بنسبالنا بعد تغيير سعر العملة... "سعاد" كانت بتعمل كده بس بدون علم المريض، أو موافقته، ياما خدت بنكرياسات من مرضى بالعافية، وياما قتلت ناس بسبب كده، عملت ثروة كبيرة، ومكنتش بتحط فلوسها في البنك علشان الشبهات، إحنا كنا عارفين باللي بتعمله، وبدأنا نوجه الناس متروحش المستشفى، وشددنا عليها في الفترة الأخيرة، عدد الوفيات، وسرقة البنكرياس قلت جامد، بس كان ناقصنا الدليل اللي ندينها بيه، ولأنها كانت حويطة، وحبايبها كتير في المستشفى، وبتستغل كاميرات المراقبة لصالحها، مقدرناش نزرعلها أي حاجة جوه المستشفى، فكان الحل نزرع بره، وده كان أصعب، لحد ما أنت جيت، وسهلت علينا كتير.

سيادة النقيب طلع سيجارة وولعها، وكمل:
-أما بالنسبة لدكتور "محمود، عمرو، عم حنا" دول أول ناس ضميرهم اشتغل، وعرفونا باللي بيحصل، علشان كده "عمرو، وعم حنا" ماتوا.
-ودكتور محمود ؟
-موجود في مكان آمن، ولسه عايش، بس مش هنقدر نبينه للناس دلوقتي حفاظًا على سلامته، وده نفس اللي هنعمله معاك، أنت لازم تختفي عن الأنظار من المحافظة هنا، وبالنسبة لعيلتك فالشرطة هتحميهم لأطول فترة ممكنة، لحد ما الدنيا تهدا، ونضيقها على باقي أفراد عصابة "سعاد" واللي زيها.

كلامه طمني، وحسيت بالفخر من اللي حصل، وأدركت أد إيه ربنا وقف معايا في الموقف الصعب ده، وعرفانًا باللي عملته، سيادة النقيب خلاني أكمل السنة بتاعتي في القاهرة، وكان معين عليا حراسة، وطلب مني مسافرش بدون إذنه، ولا أرجع للمحافظة هنا تاني... اشتغلت في مستشفى في القاهرة، بس كنت طول الوقت خايف، وقلقان، حاسس إن في حد ممكن يقتلني، ولكن مع الوقت الدنيا هديت، ومبقاش في خطر عليا.... وبالنسبة للظهورات الغريبة، مبقتش بشوف حاجة الحمدلله، وبقيت مبسوط بأن الناس اللي ماتت رجعلها حقها.....

سامي ميشيل

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكاتبة فاطمة محمد بدوي رواية بعنوان يوميات زوجة وزوج الجزء الاول يوميات زوجة وزوجاليوم الأول احمد... حبيبتي ألف مبروك عليا وجودك في حياتي طول العمر تنظر بخجل الي الأرض وجهها تشوبه حمرة الخجل وتبتسم فيرفع ذقنها اليه وتلتقي نظراتهما فيسبح احمد في اللون الازرقاحمد.... عارفة يا فاطمه انا لغاية دلوقتي مش مصدق اننا اتجمعنا سوا بعد كل المشوار دا انا كنت خلاص حاسس ان مبقاش فيه املفاطمه.... وانا عمري يا احمد مافقدت الأمل يوم اننا نكون لبعض بس كله بارادة الله ووقت وميعاداحمد..... فاكرة اول يوم ياحبيبتي اول لقاء بيننا كان ازايفاطمه..... ههههه طبعا فاكره ياحبيبي اول مرة اتقابلنا فيها واول كلمة حب قلتهالي من قبل ماتشوفنيفلاش باكمن موقع الزواجاحمد..... الو سلام عليكم فاطمه..... وعليكم السلام احمد... انا احمد تراسلنا علي موقع الزواج فاطمه.... اه طبعا عارفه حضرتك لانك قلتلي هتتصل النهاردةاحمد.... طيب شوفي نتقابل امتي وانا اجيلكفاطمه.... علي طول كدا من غير ما تعرفنياحمد.... انا بحبك من قبل ما اشوفك طريقة كلامك واسلوبك حاسس اني بحبك فاطمه... خلاص شوف عاوز نتقابل امتياحمد.... خلاص هبلغك ان شاءلله وهاجي نتكلممش عاوزة حاجه فاطمه... ربنا يخليك ميرسيودا كان اول مهاتفة بيننا وتحدد موعد اللقاءوالي الغد في الجزء الثاني من يوميات زوجة وزوج بقلم فاطمة محمد بدوي

الشاعر محمد سليمان أبو سند قصيدة بعنوان لا نوم في الليل

الكاتبة دعاء الشاهد قصة قصيرة بعنوان البحث عن عالم آخر