الكاتب جمال الحفني في قصه كاملة بعنوان أسرار عن الموت
أكتر حد يعرف أسرار عن الموت هو حفّار القبور, يعرف أسرار أكتر من الدكتور نفسه, ودا خلاّني أفكر في فكرة مجنونة, ليه مروحش أعمل لقاء مع حفار قبور واسأله عن أكتر المواقف الغريبة والمخيفة اللي شافها في مهنته, وكمان اسأله شوية أسأله في بالي من وأنا طفل صغير.
عم صالح راجل طيب, دايما بشوفه زعلان وهو بيدفن كل جثة كأنها من أهله مع إن المفروض إن الموضوع بالنسباله يكون عادي, ولما سألته وسط اللقاء عن سبب حزنه اللي بشوفه في عنيه قالي يا ولدي اللي بيخلينا نجامل الناس في أفراحهم مش هنجاملهم في أحزانهم؟
كنت متردد إني أطلب منه أعمل لقاء معاه, لكني اتشجعت في يوم وانا بزور قبر جدي وشوفته ماشي وسط القبور وماسك جردل فيه مياه بيسقي الزرع, سلمت عليه وطلبت منه بأدب إني اقعد معاه شويه وبصراحة لقيت ترحيب شديد, ولما اعترفتله وسط كلامنا إني كنت متررد أكلمه وخايف أحسن يصدني عرفت منه إنه فرحان بالموضوع أكتر مني أنا شخصيا, كل الناس بتتحاشاه وبتعتبره فال شر وبيتجنبوا الكلام معاه, مش عارف بيعملوا معايا كدا ليه يا ولدي, تقولش أنا اللي بقبض أرواحهم؟!
قعدنا أنا وهو تحت سور الجبانة على مصطبة صغيرة قديمة مش متساوية لكن تسمح لجلوس شخصين أو أكتر عليها, عم صالح راجل متعرفش تحدد عمره, لو شوفته وشه والتجاعيد اللي فيه وبريق عنيه تقول راجل في التمانينات, لكن لو شوفت صحّته وهو ماشي وسط القبور بيساوي التراب أو بيسقي الزرع تقول عليه في التلاتينات, جلابيته على الرغم من صغر حجمها إلا إنها كانت واسعه عليه ومبينه صدره والعظام اللي فيه, بشرته حمرا صافية فيها مدياله هيبه غير عادية.
أول سؤال سألتهوله واللي بصراحة كان شاغلني لسنوات كتيير كل ما افتكره.
-هو بجد يا عم صالح انت بتعرف الراجل هيدخل الجنة ولا النار بمجرد ما تحط اّخر طوبة في القبر؟
= مين قالك الكلام دا؟
-مش عارف بس من وأنا صغير وحد قالي إنك بتشوف الملايكة اللي هتيجي للراجل قبل ما تقفل عليه, وساعتها بتعرف إذا كان هيدخل الجنة ولا النار, من نوع الملايكة يعني.
= لا يا ولدي, إذا كان الميت نفسه ميعرفش إذا كان هيدخل الجنة ولا النار هعرف أنا! محدش بيعرف غير يوم الحساب.
-طبعا انت مبتخافش يا عم صالح؟
= مفيش حد مبيخافش يا ولدي, كلنا بنخاف, بس ممكن اللي بيخوّفك انت مبيخوفنيش أنا والعكس.
اجابته استفزتني بصراحة..
-طب احكيلي أكتر موقف خوفت فيه.
سرح شويه وبص شماله وراح يمشي إيده على دقنه كإنه بيحاول يفتكر موقف فعلا, أو بيفكر هل يحكيلي موقف خلاّه يخاف فعلا أو لا.
= موقف حصل معايا زمان, زمان في التسعينات, مأمور المركز بعتلي الغفير وقالي افتح قبر فلان الفلاني عشان جثته هيجيبوها قبل الفجر وهيدفنوها, الراجل مات مقتول والبلد ساعتها عاشت أيام ما يعلم بيها إلا ربنا, طلعت من البيت ورحت فتحت القبر واستنين ساعتين بره لحد ما الهوا اللي جو القبر يتغير ومسكت الكشّاف ونزلت عشان خاطر أفضّي مكان للجثة تحت, أنا عارف إن القبر دا مدفونة فيه ناس كتير ومن عادتي بنزل أحركهم على جمب عشان الميت الجديد يلاقي مكان, وعلى نور الكشاف شوفت أغرب تعبان ممكن إنسان يشوفه في حياته, تعبان أسود طوله ييجي خمسة متر ملفوف حوالين نفسه وقاعد, بمجرد ما نزلت ووشي بقى في وشه جسمي ساب وأعصابي فلتت مني ومعرفتش أعمل إيه؟ مكنتش عارف دا تعبان صح ولا جن ولا إيه؟ ولما لاقيته مش راضي يتحرك حتى بعد ما سلطت النور عليه, شئ إلهي قالي أكلمه يمكن يفهمني, وفعلا بقيت أقوله عن إذنك فيه ضيف جاي, عايزين نفضي المكان له, المأمور طلب مني أفتح القبر في الوقت دا ودي أوامر الحكومة ومش بإيدي, وفضلت أكلم نفسي تحت لحد ما في الاّخر سابني ومشي ومعرفش راح فين.
-مبتخافش يعني لما تكون في المقابر بالليل لوحدك؟
اتردد عم صالح في الإجابة لكنه قال بعد ثواني من التفكير:
=بخاف في حالة واحدة بس، ولحد دلوقتي مش عارف سببها، لما تيجي المقابر جثة مقتولة أو محروقة أو وقعت من دور عالي، الجو في المقابر بيكون متوتر، مش عارف اجيبهالك إزاي لكن بحس إن فيه حاجه مش طبيعية، زي ما يكونوا الأموات منزعجين من الجثة اللي جات، أو تكون هي منزعجة من وجودها هنا أو زعلانة أو غضبانة مش عارف، يعني أحيانا وانا بتمشى بحاول معديش على القبر اللي فيه الجثة دي، بالليل يعني، بتحيني تهيؤات وخيالات إنها ممكن تصرخ فجأة لو مريت جمبيها وكأنها هتموت تاني، لكني مبعديش وخلاص وبقت عادة فيا.
-طب إيه أعجب موقف شوفته في حياتك؟
=أعجب موقف لما فتحت قبر عشان يندفن فيه واحد، القبر كان متفتحش من سبع سنين أو عشر، ومفيهوش غير جثة بنت أنا اللي دفنتها بإيدي، كان في نيتي إني أفتح القبر بس عشان الهوا اللي جواه يتغير يعني، ولما فتحته مظهرتش أي ريحة نتنه زي ما بيحصل في العادي، قرّبت راسي من الفتحة وحاولت اشمشم بمناخيري عشان اشم أي ريحة مفيش، بصراحة الفضول أخدني وقررت أنزل، سمّيت الله ونزلت، وساعتها شوفت معجزة أو كرامة زي ما تسميها سميها، جثة البنت في مكانها، الكفن أبيض زي ما هو، ريحة الحنه زي ما هي، كل شي زي ماهو كإنها اندفنت من كام ساعة مش من كام سنة، قولت الله أكبر كذا مرة وخرجت قفلت القبر، ورحت لأهل الميت حكيتلهم اللي شوفته، بعدها دفنوا الميت في قبر تاني، والقبر دا فضل مقفول محدش فتحه لحد دلوقتي.
-بصراحة شوفت عفاريت في المقابر قبل كدا ياعم صالح؟ عشان كل الناس فاهمة ومتأكدة إن المقابر كلها عفاريت ومحدش يقدر يدخلها لوحده بالليل وهيكون بيعرض نفسه للخطر وكدا يعني..
=والله يا ولدي مشوفتش، أو ممكن أكون شوفت ومخدتش بالي، كلاب وقطط سودة كتير بشوفها ساعات واعدي من جمبيها عادي، وساعات تانية أشوفهم في منامي، اللي أحيانا بيخوفني هو الهدوء، الهدوء شيء صعب يا ولدي، وبيخوّف للي مجربوش، كل ما امشي وسط القبور بحس إنهم حاسين بيا، أو شايفيني وبيتكلموا عني، أو يقطعوا كلامهم لما اعدي جمبيهم، أنا بحس إنهم هم العايشين وأنا الميت.
-بصراحة بتخاف من الموت ياعم صالح؟
ضحك ساعتها وضرب كف بكف وقالي:
=ومين ميخافش من الموت؟ كل اللي بيقولوا ربنا ياخدني وعاوز ارتاح والموت أهون من الحياة لو جالهم دور برد يجروا على العلاج، لو شافوا جنازة وميت قدامهم يتمنوا ميموتوش، كلنا بنخاف من الموت يا ولدي، كلنا بنخاف من الشي اللي منعرفوش.
لو خلصت قراءة اكتب تم
تعليقات
إرسال تعليق